Page 71 - أباطيل وأخطاء تاريخية
P. 71

‫«أباطيل وأخطاء تاريخية‪ :‬نظرات نقدية في كتاب أثر الحروب الصليبية في العلاقات السنية الشيعية» للشنقيطي‬  ‫‪70‬‬

‫الأمة على شرعية السلطة‪ ،‬وتنازل لمؤسس الدولة الأموية معاوية بن‬
‫أبي سفيان عن القيادة‪ ،‬حقنا لدماء الأمة‪ ،‬وحرصا على وحدتها ‪ .‬وكان‬
‫هذا المنزع بداية تأسيسية لمدرسة فكرية وسياسية تبناها أغلب الشيعة‬

            ‫الإمامية قبل العصر الحديث‪ ،‬وع ّبروا عنها بفكرة التقية‪.‬‬

‫أما التوجه الثاني‪ :‬فأصبح رمزه شقيق الحسن‪ ،‬الحسين بن علي‬
‫رضي الله عنهما‪ ،‬وهو منزع ثوري رافض لشرعية ال ُملك‪ ،‬أو التصالح‬
‫مع الظلم السياسي ‪ .‬فبينما ساد لدى الحسن ـ وفي الفقه السياسي‬
‫الكلاسيكي من بعده ـ الخوف من الفتنة والتخويف منها‪ ،‬فإن الحسين بن‬
‫علي كان يرى الاستبداد والظلم السياسي هو الفتنة ذاتها‪ .‬وقد ع ّبر‬
‫الحسين عن ذلك في رسالة إلى معاوية بن أبي سفيان قال فيها‪« :‬وما‬
‫أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك‪ ،‬ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك‬
‫أمر هذه الأمة»‪ .‬وقد ثار الحسين ضد يزيد بن معاوية فقتله جيش يزيد‬
‫مع العديد من أفراد أسرته النبوية وأنصاره في فاجعة كربلاء‪ ،‬فتحول‬
‫الحسين في الفكر الشيعي إلى رمز الثورة على الظلم السياسي منذ ذلك‬
‫التاريخ إلى الزمن الحاضر‪ ،‬وتحولت فاجعة قتله وأهل بيته في الذاكرة‬

           ‫الشيعية إلى أهم حدث تأسيسي في تاريخ الإسلام تقريبا‪.‬‬

‫وهذا النهج الثوري الرافض للأمر الواقع هو الذي انتهجته الشيعة‬
‫الإسماعيلية في العصر الوسيط‪ ،‬رغم أنهم أح ّلوا نظاما ملك ًّيا محل آخر‬
‫ولم يقدموا بدي ًل أخلاقيا للدول التي ثاروا عليها‪ ،‬كما كان يسعى إلى‬
‫ذلك الحسين بن علي وغيره من ثوار القرن الأول الهجري ‪/‬السابع‬
‫الميلادي‪ .‬وإنما قصدنا أن الإسماعيليين لم يكونوا سلبيين سياس ًّيا‪ ،‬أما‬
‫الشيعة الإمامية فكانوا سلبيين سياس ًّيا بشكل كامل ‪ -‬باستثناء الحقبة‬
   66   67   68   69   70   71   72   73   74   75   76