Page 83 - لمحات من سير حركة التاريخ
P. 83

‫‪83‬‬

‫كان زه�رون الاطرابل�س�ي �ش�ابا يعم�ل في التج�ارة في �س�وق طرابل��س وكان في�ه �صب�وة‬
‫وانح�راف‪ .‬وفي اح�د الاي�ام ر�أى في ال�س�وق غلام�ا و�س�يما فطم�ع في�ه واراد اغ�را�ؤه بالم�ال‬
‫فرمى بين يديه �صرة من الدنانير الذهبية فعرف الغلام ق�صده فنثر الدنانير و�سط ال�سوق‬
‫وهوغا�ضب‪ .‬ف�أخذ زهرون يجمع دنانيره وهو في غاية الحرج ويقول هذه جيرة المعا�صي‪.‬‬
‫ومن�ذ تل�ك اللحظ�ة اح�دث توب�ة فريدة‪.‬و�س�افر الى طر�سو��س عا�صم�ة الثغور ال�ش�امية‬
‫المواجه�ة لل�روم وراب�ط فيه�ا اكثر من ثلاثين �س�نة عابدا مجاهدا في �س�بيل الله ‪ .‬ويحكي‬
‫لاح�د ا�صدقائ�ه ان�ه ح�ج م�ن الثغ�ور الى مكة ما�ش�يا عل�ى قدميه ‪ 28‬حج�ة وكان يتجنب‬
‫الط�رق الم أ�لوف�ة ومرافقة النا��س حتى لا ين�ش�غل ع�ن ذكرالله‪ .‬وفي احدى �س�فراته للحج‬
‫تاه في الطريق ونفد مامعه من ماء حتى كاد يهلك من العط��ش ‪ .‬ور أ�ى في الار�ض اثر �س�ري‬
‫داب�ة م�ن الزواح�ف فق�ال ه�ذه داب�ة لاب�د انه�ا ترد الم�اء ثم ق�ص اث�ر تل�ك الدابة حتى‬
‫وج�د منخف�ض�ا م�ن الار��ض ولما ا�ش�رف علي�ه ر أ�ى فيه افع�ى هائلة الحجم يق�ول‪:‬ان حجم‬
‫ر أ��س�ها مث�ل ر أ���س البق�رة‪ .‬وق�ال ا�س�لمت أ�م�ري الى الله ونزل�ت الى ع�ني الم�اء وه�ي ملتف�ة‬
‫حوله�ا فم�س�حت بي�دي عل�ى ر أ�يه�ا فاغم�ض�ت عينيها ‪.‬ف�ش�رب وتو�ض� أ� وملا قربت�ه من الماء‬
‫دون ان ت ؤ�ذيه تلك الى الافعى‪ .‬وحج وعاد الى الثغور‪ .‬وفي احد الايام اراد ان يزور احد‬
‫ا�صدقائ�ه المرابط�ني في بع��ض الح�ص�ون خارج طر�سو��س وعندم�ا كان في منت�صف الطريق‬
‫اظل�م النه�ار وح�دث رع�د ومطرغزي�ر فلج��أ الى كه�ف في �س�فح جبال طورو��س وظل حتى‬
‫المغرب ف�صلى المغرب وال�سنة واراد ان يبيت في تلك المغارة الى ال�صباح وبينماكان لايزال‬
‫جال�س�ا ي�س�بح واذ بب�اب المغ�ارة أ��س�د كب�ري الحج�م (كانت تلك المغ�ارة هي عرين�ه �أوبيته)‬
‫ق�ال زه�رون لم�ا ر�أيت�ه ا�س�لمت أ�م�ري الى الله ‪.‬قال‪:‬فدخل علي الا�س�د و�ش�مني ثم لعقني‬
‫بل�س�انه ث�م ن�ام جنب�ه ‪.‬فقام زهرون ي�صلي الع�ش�اء وقام جزءا من اللي�ل ي�صلي تطوعا ثم‬
‫نام ولما طلع الفجر �صلى الفجر وغادر المغارة دون ان يتعر�ض له الا�سد ب�سوء‪ .‬وفي طريقه‬
‫نح�و �صديق�ه م�ر بقري�ة والتقى في الطري�ق م�صادفة بامر�أة جميلة ج�دا يقول ‪:‬ما ر�أيت‬
‫في الن�س�اء مثله�ا فنظ�ر اليه�ا و�ش�رد نظ�ره معها وبينما ه�و ينظر اليها �أنق��ض عليه جرو(‬
‫كلب �صغير) فع�ضه في �ساقه حتى �سال دمه‪ .‬قال زهرون بقيت ابكي على تلك النظرة زمنا‬
‫طويل�ا!!! لم�ا كن�ت م�ع الله نمت ليلة كاملة في ح�ضن الا�س�د فلم يقربني ب�س�وء ولما ع�صيت‬
‫الله بتل�ك النظ�رة �س�لط عل�ي ذل�ك الجرو فق�ضم �س�اقي حتى �س� أ�ل دمي‪�...‬ص�دق ال�صادق‬
‫الم�ص�دوق ال�ذي ق�ال‪ :‬احف�ظ الله يحفظ�ك‪ .‬وه�ذه الق�ص�ة تجدونه�ا في ترجم�ة زه�رون‬

                          ‫الاطرابل�س�ي في بغي�ة الطل�ب في تاري�خ حلب لابن العديم‬
   78   79   80   81   82   83   84   85   86   87   88