الموقع الرسمي للدكتور علي بن محمد عودة الغامدي
معركة ملاذكرد ٤٦٣هـ من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ

معركة ملاذكرد ٤٦٣هـ من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ:
قمت بكتابة هذا المقال العلمي عن معركة ملاذكرد نظراً لأن الناس يتداولون في وسائل التواصل الاجتماعي مقالا عن هذه
المعركة يسوده الخلط والاضطراب فهو مزيج بين حوادث في معركتي ملاذكرد وميريو كيفا لون بالاضافة الى كثير من الخرافات التي لاتمت للحقيقة بصلة . معركة ملاذكرد:
كان الإمبراطور البيزنطي رومانس ديوجينس جنديا فائقاَ ووطنيا صادقاَ ساعدته الظروف على تقلد منصب الإمبراطور، وذلك
عندما توفي الإمبراطور قسطنطين دوقاس سنة ١٠٦٧م/٤٦٠هـ فآل عرش الإمبراطورية إلى زوجته ايدوكيا التي أضحت وصية على آبنائها. بيد أن الأخطار التي تعرضت لها الإمبراطورية جعلت ايدوكيا تسارع بالزواج من القائد العسكري رومانس ديوجينس، ذي الخبرة الطويلة في حروب البنجاك. وفي أواخر سنة ٤٦٠هـ/يناير ١٠٦٨م تم الأعلام عن رومانس ديوجينس إمبراطورا للدولة البيزنطية . ولما اشتدت غارات التركمان على أراضي الدولة البيزنطية في هضبة أرمينية وقيليقية، وأطراف الشام الشمالية، بذل الإمبرطور رومانس الرابع ديوجينس جهداً مضنيا لوقف زحف التركمان وسد المنافذ أمامهم.
وفي سبيل ذلك قام بثلاث حملات على بلاد الشام وأعالي الجزيرة في السنوات ٤٦١-٤٦٣هـ/١٠٦٨-١٠٧١م كانت الحملة الأولى سنة ٤٦١هـ/١٠٦٨م ضد حلب، وفيها انتصر الإمبراطور رومانس على محمود المرداسي ومن معه من التركمان والعرب. واستولى رومانوس على بعض الحصون مثل أرتاح، وواصل زحفه حتى استولى على منبج وقتل كثيراً من سكانها ،
ثم شحنها بالرجال والمؤن . وعقد الإمبراطور البيزنطي العزم على الإستمرار في حملته على بلاد الشام ، غير أنه تراجع عن ذلك وانسحب عائدا إلى بلاده بسبب ورود أخبار تفيد بأن أحد قادة التركمان ويدعى افشين بن بكجي قد استولى على عمورية ونهبها ،وأنه أوغل في عمق الأراضي البيزنطية.
وفي العام التالي ٤٦٢هـ/١٠٦٩م عاد الإمبراطور رومانوس على رأس حملة أخرى إلى بلاد الشام وصل فيها إلى منبج وإلى
عزاز من أعمال حلب وقام بتدمير القرى والحقول الواقعة بين الأراضي البيزنطية ومنبج، ثم انسحب لقلة المؤن وانتشار القحط. وظلت منبج خاضعة للبيزنطيين لمدة سبعة أعوام.
أما الحملة الثالثة فهي التي انتهت بمعركة ملاذكرد. فقد صمم الإمبراطور رومانوس ديوجينس على استرداد أراضيه .
ويبدو أنه قرر استغلال غياب السلطان ألب أرسلان في بلاد الشام لمهاجمة دولة السلاجقة فخرج على رأس جيش ضخم من الروم والنورمان والغز والروس وغيرهم.
وعندما كان السلطان ألب أرسلان مقيما بمنطقة حلب في شعبان سنة٤٦٣هـ/مايو ١٠٧١بلغه نبأ عودة قائده افشين الذي أرسله لرد اريسيغي . ووصله في الوقت نفسه رسول من الإمبراطور البيزنطي يحمل عرضا بإعادة بعض المناطق في أرمينية
وشمال الشام وتوقيع الهدنة . بيد ان سبط بن الجوزي الذي أورد خبر هذه السفارة البيزنطية الغامضة لا يعطي أي تفصيل عنها، ومن المرجح أن الإمبراطور البيزنطي كان يهدف منها إلى استطلاع مدى قوة السلطان حيث لاحظ رسول الإمبراطور رجوع ألب أرسلان عندما ” قطع الفرات وهلك أكثر الدواب والجمال وكان عبوره شبه الهارب …..وعاد رسول الروم مستبشرا
إلى صاحبه فقوى ذلك عزم ملك الروم على أتباعه وحربه ” .
وعندما اجتاز السلطان ألب أرسلان نهر الفرات عائداً من الشام لم يبق معه سوى خمسة عشر ألف مقاتل، حيث عاد الكثير من التركمان إلى أهلهم في خراسان. ولم يكن عامل الزمن في صالح السلطان حتى يتمكن من جمع عساكره ، فقرر مواجهة الإمبراطور البيزنطي بمن معه، وأرسل أهله وأثقاله مع وزيره نظام الملك إلى همذان ، وسار هو بفرسانه قاصداً أرمينية لصد الإمبراطور البيزنطي.
ورغم أن السلطان عندما سار بمن معه لمواجهة الإمبراطور البيزنطي كان في قلة من العساكر حسب ما ذكرته المصادر فإن الأمر الذي لا شك فيه أنه قد انضم إلى صفوف جيش السلطان الكثيرمن القبائل التركمانية التي كانت تعمل ضد البيزنطيين في آسيا الصغرى، اضافة إلى الحاميات السلجوقية التي كانت تُقيم فعلاً في بعض مدن أرمينية منذ فتح السلطان لها سنة ٤٥٦هـ-٤٥٧هـ الموافق ١٠٦٥م-١٠٦٦م . وأخذ السلطان يستثير حماس جنوده عندما خاطبهم قائلاً : ” أنا أحتسب نفسي عند الله:
وهي إما السعادة بالشهادة وإما النصر (ولينصرن الله من ينصره) ثم سار مرتباً جيشه قاصداً جموع الروم ”
أرسل رومانوس مقدمة جيشه من الروس وعددها عشرة آلاف جندي للإستيلاء على خلاط ، وتوجه هو ببقية الجيش إلى ملاذكرد( منازكرد) واستولى عليها . وعندما وصل ألب أرسلان إلى أرمينية جعل لجيشه مقدمة بقيادة صندق التركي ،
فسارت والتقت بمقدمة الإمبراطور عند مدينة خلاط وهزمتها وأسرت قائدها ، الذي حمل إلى السلطان بجدع أنفه ، وبعث بالغنيمة إلى نظام الملك ، وأمره إن يرسلها إلى بغداد مبشراً الخليفة بمقدمات النصر .
على أن نشوة هذا النصر لم تدفع ألب أرسلان إلى المجازفة بمواجهة الإمبراطور الذي يفوق جيشه جيش السلطان عدداً وعدة. كما أن حملات ألب أرسلان على أراضي الدولة البيزنطية لم يكن يسعى من ورائها إلى القضاء على هذه الدولة وإنما
كان هدفه إضعافها أوا إلزامها بموقف الحياد حتى يوجه جهوده نحو توحيد العالم الإسلامي . ولهذا أرسل إلى رومانوس
يطلب الصلح والهدنة . ولم يكن الإمبراطور على استعداد لقبول الهدنة بعدما أنفق أموالاً طائلة في إعداد جيشه من عناصر مختلفة يصعُب جمعها مرة أخرى ، لذاردَ على السلطان قائلاً ” لاهدنة إلا بالرأي ” آي إن هدفه لايقتصر على استرداد
أرمينية فقط ، بل يريد غزو بلاد السلاجقة حتى يصل إلى قلب دولتهم بخراسان، وعندئذ أدرك السلطان أنه لم يعد هناك مفر من القتال.
وتصف المصادر الإسلامية الروح المعنوية القوية التي بثها السلطان ألب أرسلان في نفوس جنوده قبل المعركة لدرجة أنه عندما تلقى جواب الإمبراطور رومانوس برفض الهدنة قال له إمامه وفقيهه أبو جعفر محمد البخاري : ” إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان ، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح……”
وأخذ السلطان يهيء جنوده لخوض المعركة . وفي يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة سنة ٤٦٣هـ/٩ أغسطس ١٠٧١م باغت السلاجقة جيش بيزنطية بين ملازكرد وخلاط . ودارت المعركة الفاصلة في هذا المكان وحاقت الهزيمة بالبيزنطيين ، وانتصر المسلمون انتصاراً ليس كمثله انتصار . وغنم المسلمون غنائم ضخمة من ساحة المعركة، ووقع الإمبراطور رومانوس أسيراً في أيدي السلاجقة وهو أول إمبراطور يأسره المسلمون خلال صراعهم الطويل مع الدولة البيزنطية.
وأمر السلطان بإحضار رومانوس بين يديه ، ووبخه على موقفه في رفض الهدنة، فاعتذر بأنه أنفق كل موارد بلاده في سبيل الإعداد لحملته، ولم يعد بوسعه الرجوع قبل خوض المعركة. ثم فاوضه السلطان في مقدار الفدية وأبدى كرماً جماً في معاملته ، وأطلق سراحه بعد أن تعهد بتقديم جزية كبيرة ، وأن يعيد أنطاكيا والرها ومنبج إلى المسلمين ، وأن يطلق سراح الأسرى المسلمين . ثم أعطاه السلطان المسلم عشرة آلاف دينار ليتجهز بها في عودته إلى بلاده، وأرسل معه فرقة لحراسته وودعه فرسخاً.
على أن الحظ عبس في وجه رومانوس ديوجينس ، إذ استولى ميخائيل السابع على عرش الإمبراطورية وأعلن نفسه
إمبراطورا فأرسل رومانوس إلى الإمبراطور الجديد يخبره بما تقرر مع السلاجقة من شروط ،فوافق عليها ميخائيل لأنه لم يعد بوسعه الرفض بعدما سحقت قوات الإمبراطورية في ملاذكرد.
وجمع رومانوس مائتي ألف دينار وأرسلها إلى السلطان ألب أرسلان وأقسم أنه لا يجد غيرها . ثم قُبض عليه وسملت عيناه وقتل في صيف عام ٤٦٤هـ/١٠٧٢م. وعلى هذه الصورة انتهت حياة رومانوس ديوجينس بعدما أبداه من شجاعة في
ملازكرد.
أما عن أهم أسباب انتصار السلاجقة وهزيمة البيزنطيين في ملازكرد فيرجع إلى مايلي:
أولاً : ان الجيش البيزنطي كان مفتقراً إلى التجانس ، وحسن التنظيم ، فضلاً عن انعدام الولاء لدى قادة الجيش البيزنطي
فقد كان جيش بيزنطية مؤلفاً من جنود مرتزقة من البيزنطيين والنورمان والروس والتركمان وغيرهم . وحينما وقعت المعركة استجاب التركمان الذين جندهم رومانوس لرابطة الدم فانضموا إلى السلاجقة.
ثانيا : الثقة المفرطة التي بلغت حد الغرور لدى الإمبراطور وقادته عندما اعتقدوا أنهم يستطيعون الوصول إلى قلب الدولة السلجوقية في خراسان ، لدرجة أن الإمبراطور اقطع قادته بلاد المسلمين بما فيها بغداد، وكان القادة يقولون: ” لابد أن نشتو بالري، ونصيف بالعراق ونأخذ في عودنا بلاد الشام” في الوقت الذي كان هدف معظم جنود بيزنطية الكسب السريع السهل فلما اشتد المعركة فر الكثير من الجنود المرتزقة وتركوا الإمبراطور يواجه مصيره .
ثالثا: بطء حركة الجيش البيزنطي بسبب ماكان يحمله من عدد ضخم من العجلات والمنجنيقات وآلات الحفر والحصار ،وما
تتطلبه هذه الآلآت من رجال مختصين في تشغيلها ، الأمر الذي زاد من أعباء الجيش التموينية وأدى إلى إبطاء حركته،
في الوقت الذي لم تكن المعركة في ملازكرد في حاجة إلى تلك العدة الضخمة.
رابعاً: خفة الحركة لدى فرسان السلاجقة، وكان لكل فارس فرسان ، واحد يركبه والآخر بجنبه، فضلاً عن إن السلطان
ألب أرسلان وضع خطة محكمة، تتلخص في تقسيم بعض فرق الجيش إلى مجموعات من الكمائن اختفت خلف التلال المحيطة بميدان القتال ، فلما بدأت المعركة انقضت تلك الكمائن على الجيش البيزنطي ولعبت دوراً حاسماً في تمزيقه.
وتعتبر هذه المعركة من المعارك الفاصلة في التاريخ البيزنطي ، ومن الصفحات الناصعة في التاريخ الإسلامي ،
ولا تقل في آهميتها ونتائجها عن معركة اليرموك في رأي بعض الباحثين . فإذا كانت معركة اليرموك قررت مصيربلاد الشام
فإن معركة ملازكرد قررت أيضاً مصير آسيا الصغرى التي أصبحت مفتوحة على مصراعيها أمام الأتراك السلاجقة بحيث توغلوا فيها ، وأقاموا بها دولتهم المعروفة بسلاجقة الروم . وبذلك انتقلت هذه البلاد نقلة كاملة من الحضارة اليونانية البيزنطية
المسيحية إلى الحضارة الإسلامية، وظلت الحضارة الإسلامية قائمة في هذه البلاد على يد الأتراك السلاجقة رغم موجات الزحف الصليبي على آسيا الصغرى .
أما عن أثر هذه المعركة الحاسمة بالنسبة للأمبراطورية البيزنطية ففي الحقيقة أن هذه الموقعة تعتبر كارثة عظمى منيت بها الدولة البيزنطية بل واعتبرها المؤرخون نقطة تحول في التاريخ البيزنطي كله . حيث فقدت تلك الأكبر الإمبراطورية أغلى واهم أقاليمها الشرقية ،هذه الأقاليم التي كانت تمد الأمبراطوربة بخيرة جنودها وأشهر قوادها ،كما انه لم تتعرض الدولة البيزنطية لخطر جسيم مثل الذي تعرضت له في أعقاب معركة ملازكرد، حيث حجز السلاجقة بين البيزنطيين وأغنى أقاليمهم الآسيوية حين اتخذ السلاجقة من نيقية اولا ثم من قونية ثانيا عاصمة لدولتهم.
وعلى ضوء نتائج هذه المعركة يمكن القول : أنها رسمت مستقبل البيزنطيين حيث كانت بمثابة مسامير النعش الذي حُملوا عليه إلى هوة السقوط والإندثار على يد الأتراك العثمانيين عند سقوط القسطنطينية.
بقلم أ.د.علي محمد عودة الغامدي

شاركـنـا !

أترك تعليق
صوت التطور لخدمات الويب
%d مدونون معجبون بهذه: