الموقع الرسمي للدكتور علي بن محمد عودة الغامدي
عمير بن سعد وآلي حمص ؛ مثال على الزهد والإيثار زمن عمر رضي الله عنهما

ما أمتعها من قصة بين عمر بن الخطاب أمير المؤمنين و عُمير بن سعد رضي الله عنه
قضى عمير بن سعد (أميرحمص) حولاً كاملاً بحمص، لم يكتب خلاله لأمير المؤمنين كتاباً، ولم يبعث إلى بيت مال المسلمين من الفيء درهماً و لا ديناراً, فأخذت الشكوك تساورُ عمرَ بن الخطاب، إذ كان شديد الخشية على ولاته من فتنة الإمارة فلا معصوم عنده غير النبي عليه الصلاة والسلام, قال لكاتبه:
((اكتب إلى عمير بن سعد، وقل له: إذا جاءك كتاب أمير المؤمنين فدع حمص، وأقبل عليه، واحمل معك ما جَبَيْتَ من فيء المسلمين, تَلَقَّى عميرٌ الكتاب، فأخذ جراب زاده، وحمل على عاتقه قصعته ووعاء وضوئه، وأمسك بيده حربته، وخلّف حمص وإمارتها وراءه، وانطلق يحثّ الخطى مشياً على قدميه إلى المدينة، فما كاد يبلغ عمير المدينة حتى كان قد شحب لونه، وهزل جسمه، وطال شعره، ظهرت عليه وعثاءُ السفر، دخل عميرٌ على عمر رضي الله عنه فدهش الفاروق من حالته، وقال: ما بك يا عمير؟ قال: ما بي من شيء، فأنا صحيح معافى بحمد الله، أحمل معي الدنيا كلها، وأَجُرُّها من قرنيها، قال: ما معك من الدنيا؟ قال: معي جرابي وضعت فيه زادي، ومعي قصعتي آكل فيها، وأغسل عليها رأسي وثيابي، ومعي قربة لوضوئي وشرابي، ثم إن الدنيا كلها يا أمير المؤمنين تَبَعٌ لمتاعي، وفضلة لا حاجة لي، ولا لأحد غيري بها .
فقال عمر: وجئت ماشياً؟ قال: نعم، قال: أما أُعطِيتَ من الإمارة ولا دابة تركبها، هم لم يعطوني، وأنا لم أطلب منهم، وأين ما أتيت به لبيت المال؟ قال: لمْ آتِ بشيء، ولِمَ؟ قال: لمّا وصلتُ حمص جمعتُ صلحائها، وولّيتُهم جمعَ فيئهم، فكانوا كلما جمعوا شيئاً استشرتُهم في أمره ، فوضعته في مواضعه، وأنفقته على المستحقين منهم، فقال عمر لكاتبه: جدِّد عهداً لعمير على ولاية حمص، فقال عمير: هيهات فإن ذلك شيء لا أريده، ولن أعمل لك، ولا لأحد من بعدك يا أمير المؤمنين، ثم استأذنه بالذهاب إلى قرية من ضواحي المدينة يقيم فيها مع أهله، فَأذِنَ له، وبقي عمرُ يشكُّ فيه، فلم يمضِ على ذهاب عمير إلى قريته وقت طويل حتى أراد عمرُ أن يختبر صاحبه، وأن يستوثق من أمره، فقال لأحد ثقاته يُدعى الحارث: انطلق يا حارث إلى عمير بن سعد، وانزل به كأنك ضيف، فإن رأيتَ عليه آثارَ نعمة فَعُدْ كما أتيت، وإنْ وجدتَ حالاً شديداً فأعطِه هذه الدنانير، وناوله صُرّة فيها مئة دينار، فانطلق الحارث حتى بلغ قرية عمير، وسأل عنه فَدُلّ عليه، ولما لقيه قال: السلام عليك ورحمة الله، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، مِن أين قدمت؟ قال: من المدينة، قال: كيف تركت المسلمين؟ قال: بخير، قال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: صحيح صالح، قال: أليس يقيم الحدود؟ قال: بلى، قال: اللهم أعِن عمرَ فإني لا أعلمه إلا شديد الحب لك .
أقام الحارث في ضيافة عمير ثلاث ليال، كان يخرج له كل ليلة بقرص من الشعير يقدمه له، فلما كان اليوم الثالث قال للحارث رجلٌ من القوم: لقد أجهدتَ عميرًا وأهله، فليس لهم إلا هذا الرغيف، وقد أضرّ بهم الجوع والجهد، فإن رأيتَ أن تتحّول فتحوّلْ إليَّ، عند ذلك أخرج الحارث الدنانير، ودفعها إلى عمير، فقال عمير: ما هذه؟ قال: دفع بها إليك أمير المؤمنين، قال: رُدَّها إليه، واقرأ عليه السلام، وقل له: لا حاجة لعمير بها، فصاحت امرأته مثل كل النساء، خذها يا عمير، فإن احتجتَ إليها أنفقتها، وإلا وضعتها في مواضعها، فالمحتاجون هنا كثيرون، فلما سمع الحارث قولها ألقى الدنانير بين يدي عمير وانصرف، فأخذها عمير، وجعلها في صرر صغيرة، ولم يبت ليلته تلك إلا بعد أن وزّعها بين ذوي الحاجات، وخصّ منهم أبناء الشهداء، وعاد الحارثُ إلى المدينة، وقال له عمر: ما رأيت يا حارث؟ قال: حالاً شديدة يا أمير المؤمنين قال: أدفعتَ إليه الدنانير؟ قال: نعم، قال: وما صنع بها؟ قال الحارث: لا أدري، وما أظنه يبقي لنفسه منها درهماً واحداً، فكتب الفاروق إلى عمير, يقول له: إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل عليّ، وتوجَّهَ عمير إلى المدينة، ودخل على عمر رضي الله عليه، فرحّب به، وأدنى مجلسه، ثم قال له: ما صنعتَ بالدنانير يا عمير؟ قال: وما عليك منها بعد أن خرجتَ لي عنها؟ قال: عزمتُ عليك أن تخبرني بما صنعت بها؟ فقال: ادَّخرتها لنفسي لأنتفع بها في يومٍ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فدمعت عينا عمر، وقال: أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كانت بهم خصاصة، فالآية انطبقت عليه، ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال: أما الطعام فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين، فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير، وإلى أن نأكلهما يكون الله عز وجل قد جاء بالرزق، وأما الثوبان فآخذهما لأم فلان، -يعني زوجته- فقد بلي ثوبها، وكادت تعرى))

شاركـنـا !

أترك تعليق
صوت التطور لخدمات الويب
%d مدونون معجبون بهذه: