الموقع الرسمي للدكتور علي بن محمد عودة الغامدي
بين بابا اسحاق وفتح الله غولن

بلغت تركيا السلجوقية قمة مجدها وعصرها الذهبي زمن السلطان علاء الدين كيقباذ 634 -616 هجرية الذي عاصر بداية الغزو المغولي لشرق العالم الإسلامي الذي بدأ على بلاد ماوراء النهر في سنة 616 هجرية أي في نفس السنة التي تولى فيها كيقباذ الحكم.
وقد أدرك كيقباذ خطورة المغول  وبدأ في تحصين حدود تركيا بسلسلة من الحصون والقلاع المنيعة لصد الهجوم المحتمل. بل ووسع حدود دولته حتى أنه أرسل في سنة 622هجرية حملة بحرية إلى شبه جزيرة القرم فأخضعها لنفوذه وأجبر الروس والأكرانيين على دفع الجزية له. وبدت تركيا السلجوقية في عهده أقوى البلدان الإسلامية التي يمكن أن تصمد أمام المغول. ولم يكتف كيقباذ بذلك بل إنه عندما أُغتيل جلال الدين منكبرتي سلطان الدولة الخوارزمية -الذي صمد في وجه المغول زمناً طويلاً- سنة 628 هجرية.استقبل السلطان كيقباذ بقايا جيشه الذين بلغ عددهم بضعة عشر ألفاً وأسكنهم على حدود بلاده الشرقية ومنحهم الإقطاعات والهبات ليكونوا خط الدفاع الأول عن بلاده.
ولكن وفاة السلطان كيقباذ سنة 634 كان بداية الأفول لتركيا السلجوقية. إذ أن ابنه وخليفته كيخسرو الثاني لم يكن له من قوة الشخصية والمقدرة الحربية والإدارية ما يستطيع به أن يملأ الفراغ الذي تركه والده.
لكن سمعة تركيا السلجوقية وهيبتها ظلت كما هي إلى أن ظهرت فتنة بابا اسحاق الذي ادعى النبوة وأنه مرسل من الله وذلك في سنة 638 هجرية.
فقد ترتب على الغزو المغولي فرار أعداد لاحصر لها من الأتراك من البلاد التي اجتاحها المغول ولجأوا إلى تركيا السلجوقية. وظهر من بينهم الشيخ بابا اسحاق وهو أحد مشايخ الصوفية الذي تميز بشخصية كارزمية جذابة واجتذب إليه التركمان الفقراء ودعاهم إلى التمرد ضد حكومة كيخسرو الثاني الضعيفة والفاسدة وزعم أنه نبي مرسل من  الله  فصدقته أعداد كبيرة من التركمان واصبحوا يطلقون عليه اسم بابا اسحاق رسول الله. وأعلن عن بدء عصر جديد. واستولى مع أتباعه على مدن مرعش ،وكاخته، وعظيمان. وأنزلوا بجيش السلاجقة هزيمتين متتاليتن عند البستان وملطية ثم زحفوا إلى سيواس ونهبوها واتجهوا صوب أماسية. وخلال ذلك تمكن السلاجقة من قتل بابا اسحاق. لكن أتباعه من التركمان لم يصدقوا بمقتله بوصفه رسول مقدس لايمكن أن يموت حسب اعتقادهم الفاسد. وهرب السلطان كيخسرو الى قوباد اباد. ولم يتمكن جيش السلاجقة من هزيمة أتباع بابا اسحاق إلا بعد أن استعان بالروم والفرنج. وقداستمرت تلك الفتنة مدة سنتين ونصف من الزمان بحيث استنزفت دولة السلاجقة وكشفت للمغول مدى الضعف والخور الذي أمست فيه .إذ يخبرنا الراهب المنصر سيمون أوف سان كوينتين الذي أرسله البابا  أنوسنت الرابع إلى بلاط المغول في تلك الحقبة.ان المغول لما سمعوا بفتنة بابا اسحاق وما أحدثته من اضطراب في تركيا السلجوقية قرروا إستغلال الفرصة فغزوا تركيا السلجوقية وهزموا جيشها في معركة كوسه داغ( الجبل الأقرع ) سنة 641هجرية ولتخضع تلك البلاد للمغول و حلت بها كارثة لامثيل لها في تاريخها استمرت أكثرمن قرن من الزمان. وكان غزو المغول لها قبل غزوهم للعراق والشام بأكثرمن 15 سنة.
أما محاولة فتح الله غولن وفتنته فقد وقى الله شرها وتم القضاء عليها في ليلة واحدة.  ولو قُدر لها النجاح لأُدخلت تركيا في نفق مظلم لا خروج لها منه.  هذا ما خطط له الأعداء وما أرادوه  ولكن الله جل وعلا أراد شيئا آخر. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

كتبه.أ.د/ علي محمد عودة الغامدي . في 3 ذي القعدة من سنة 1437 هجرية.

شاركـنـا !

أترك تعليق
صوت التطور لخدمات الويب
%d مدونون معجبون بهذه: