الموقع الرسمي للدكتور علي بن محمد عودة الغامدي
العدوان الفكري الغربي على الإسلام وعلى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام (2)

اضغط هنا للعودة للجزء الأول من المقال

 

أما المشروع الكلوني : – فهو الذي أعدَّ كل المواد اللازمة لغرس تلك العقيدة الباطلة في العقل الغربي وأحكم معظم جوانبها لتستمر قائمة إلى العصر الحاضر .
وهذا المشروع الذي يعتبره بعض الباحثين الغربيين بأنه : المشروع الغربي العالمي الأول لدراسة الإسلام ، إنما هو في حقيقته المشروع الغربي الأكبر لتشويه صورة الإسلام ، الذي حدث سنة 537هـ / 1143 م .
ويُنسب هذا المشروع إلى ديركلوني في جنوب فرنسا الذي تأسس سنة 297هـ/910م ومنه انبثقت حركة لإصلاح الحياة الرهبانية عُرفت في التاريخ الأوربي بأسم ( حركة الإصلاح الكلونية ) التي لم تلبث أن أسهمت في تقوية الجهاز الكنسي في الغرب الأوربي ونال ديركلوني منزلة الحصانة تحت الحماية المباشرة للبابا في روما ، والحق المطلق في أن ينشئ أديرة أخرى تابعة لهُ ، وخلال القرنين التاليين من تأسيسه نال ديركلوني تأثيراً كبيراً وثروة ضخمة ، وأصبح في الواقع عاصمة للامبراطورية الديرية حيث يتبعه أكثر من ستمائة دير ، وعشرات الآلاف من الرهبان في كل مكان من العالم الغربي النصراني . وأصبح رهبان ديركلوني بابوات وكرادلة وكثير من رؤسائه كانوا مستشارين للاباطرة والملوك . ومن أشهر رهبان ديركلوني الذين وصلوا إلى منصب البابوية ، البابا جريجوري السابع ، وتلميذه البابا أوربان الثاني الذي أطلق الحروب الصليبية ضد المسلمين .

وفي سنة 516 هـ / 1122هـ تم اختيار رئيس جديد لديركلوني هو الراهب بيير موريس دي مونتبوسيير ، الذي أطلق عليه معاصروه لقب بطرس المكّرم . وقد أمضى سنواته الأولى في تدعيم سلطة الدير ومكانته . وفي سنة 536 هـ / 1142 م قام برحلة إلى شمال الأندلس لزيارة الأديرة الكلونية في تلك البلاد . وهناك علم من بعض المترجمين بوجود رسالة لنصراني شرقي تدافع عن النصرانية وتهاجم الإسلام مكتوبة باللغة العربية ، وعرف منهم مضمونها ، فقرر القيام بمشروع ترجمتها وترجمة القرآن الكريم وبعض المصنفات الأخرى إلى اللاتينية بهدف دحض الإسلام والرد عليه .

عاد بطرس المكّرم إلى ديركلوني في فرنسا بعد أن اتفق مع خمسة مترجمين للقيام بالعمل لديه وبيّن لهم أهدافه من المشروع وأجزل لهم العطاء لتنفيذه .ونقدم الآن لمحة مختصرة جداً عن أخطر ترجمتين في المشروع والأثر الذي أحدثته في صياغة تلك العقيدة الغربية عن الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام .

1- ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية . وهي احدى الترجمات الخمس التي أصبحت تُعرف في أوربا بإسم المجموعة الطليطلية . وقام بهذه الترجمة مترجم انجليزي يسمى روبرت أوف كيتون كان قد استقر في برشلونة في الأندلس منذ سنة 530 هـ / 1136 م وأتقن العربية واهتم بالمؤلفات العربية في علم الفلك والهندسة وقد عَلِمَ روبرت أوف كيتون من بطرس المكرم أن هدفه تعريف الغرب النصراني بالإسلام الذي يعتبره هرطقة من الهرطقات الكبرى التي هددت النصرانية ، وأن بطرس المكرم ينوي الرد على الإسلام ، لذلك قام روبرت أوف كيتون بترجمة خاطئة مغرضة لمعاني
القرآن الكريم، كان لها تأثير سئ في صياغة تلك العقيدة الغربية الحاقدة تجاه الإسلام ونبيه محمدعليه الصلاة والسلام .
وتتضح أهداف روبرت أوف كيتون المبنية على أهداف بطرس المكرم من ما جاء في مقدمته لتلك الترجمة ، حيث صدَّرها بمقدمة طنّانه سمّاها ( تمهيد عن الخرافة الإسلامية المسماة بالقرآن ) ومما قاله في مقدمته :” …. أنا كشفت عن شريعة محمد بيديّ وجلبتها إلى خزينة اللغة الرومانية ، الأمر الذي سوف يساعد رسالة المسيح المخلّص على الانتشار وتخليص الجنس البشري من هذا الإثم ـ الإسلام ـ … ذلك أن دكاترة الكنيسة أهملوا تلك الهرطقه الكبرى ـ يقصد الإسلام ـ لتصل وتصعد إلى شئ ضخم جداً ومفرط لمدة خمسمائة وسبع وثلاثين سنة ، لأنها مهلكة وضارة ، بسبب أن الزهرة من تلك العقيدة المتعصبة الفاسدة ، مجرد غطاء فوق عقرب ، تحول دون أن تلفت الأنتباه إليه ، وتُحطِّم بالخداع قانون الدين المسيحي …. ” إلى أن يقول مخاطباً بطرس المكرَّم :” ولذلك قمت بالعمل معك لما علمت أن نفسك مجتهدة في سبيل كل شيء صالح ، وأنك تتوق إلى ردم المستتنقع غير الخصب للعقيدة الإسلامية .. لذلك أنا كشفت عن السُّبل والوسائل ـ بكل جهدي ـ للوصول إلى ذلك …. وهكذا أنا أحضرت الخشب والحجارة اللازمة لعمارتك الجميلة التي يجب أن تنتصب فوق الجميع خالدة . أنا كشفت الغطاء عن دخّان محمد الذي يجب أن يُخمد بواسطة منفاخك ” .
وقام روبرت أوف كيتون في ترجمته لمعاني القرآن الكريم بإعادة ترتيب السور وعمد إلى الاختصار والتشويه المتعمَّد والحذف والأضافة، وإضفاء الطابع اللاتيني على المعاني، مما أعطى صورة بشعة لمعاني القرآن الكريم .
ومن أمثلة الفساد والتشويه في تلك الترجمة مايلي :

‌أ- أعطى معنىً غامضاً لخطاب يا أهل الكتاب وجعله يبدو في معظم الأحيان وكأنه موجه إلى المسلمين .

‌ب- أضفى على كل الآيات المتعلقة بأحكام الزواج والطلاق معاني جنسية داعرة بحيث تبدو للقارئ الغربي لاسيما الرهبان مثيرة للاشمئزاز والنفور . مثل :
‌ج- الآية 230 من سورة البقرة ; فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ; ترجمها ” فلا تحل له حتى يطأها رجل غيره ” .
‌د- الآية 220 من سورة البقرة ; …. ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم في الدين ترجم تخالطوهم بمعنى تمارسوا معهم
اللواط .
‌ه- الآية 223 من سورة البقرة ; نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ; ترجمها بمعنى ” فأتوهن في أدبارهن ” .
‌و- الآية 50 من سورة الأحزاب ; يا أيها النبي إنا احللنا لك أزواجك .. الآية ; ترجمها هكذا ” نحن نجيز لك أزواجك اللائي أتيتهن مهورهن ، وجميع إيمائك اللائي أعطاكهن الله ، وبنات عمك ، وبنات عماتك ، وبنات خالك وبنات خالاتك ، اللائي اتبعنك ، وكل امرأة مؤمنة إذا هي ترغب أن تقدّم جسدها أو نفسها للرسول ، وإذا الرسول يرغب أن يضطجع معها فليفعل ، وهذا خاص لك وليس للمؤمنين الآخرين ” .
وهذا قليل من كثير مما في تلك الترجمة من تشويه متعمَّد .

ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل قام معلق مجهول بالتعليق والتحشية على تلك الترجمة فزاد في التشويه إلى أقصى حد فمثلاً عندما لا يتفق القصص القرآني مع بعض قصص العهد القديم يهاجم القرآن ، ويتهمه بالخرافة مثل وسوسة الشيطان لآدم وزوجه للأكل من الشجرة وفي العهد القديم أن الحية هي التي أغرت آدم بالأكل من الشجرة . ويعلق المعلق على القرآن بقوله : ” كذب وقح ” . أيضاً القصة الرائعة لحمل مريم بعيسى عليه السلام كما جاءت في سورة مريم ، يسميها أيضاً ” كذب وقح ” .
كما أن هذا المعلق علّق – مثلاً – على الآيتين من سورة الغاشية ; فذكّر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ; علَّق عليها موجهاً الخطاب إلى
النبي عليه الصلاة والسلام; قائلاً :” لماذا أنت بعد هذا توجَّه أصحابك إلى أن يُحوِّلوا الناس إلى دينك بالسيف ، إذا أنت تقول مثل هذه المبادئ التي لا تُجبر الناس على الطاعة، فلماذا تُجبر الناس على الطاعة ولماذا تُخضعهم بالقوة مثل الحيوانات والبهائم المتوحشة، وليس بواسطة الحجج والبراهين مثل البشر ، في الحقيقة أنت نموذج للكذّاب، فأنت في كل مكان تُناقض نفسك ” .
هذه الترجمة المشوهة لمعاني القرآن الكريم التي قام بها روبرت أوف كيتون لحساب بطرس المكرم سنة 537 هـ / 1143 م هي أول ترجمة عرفتها أوربا وأحدثت تأثيراً واسعاً على الفهم الأوربي المشوه للإسلام حتى القرن الثامن عشر ، فقد ظلت تنتشر مخطوطاتها حتى قام عالمان سويسريان بطباعتها في بازل سنة 949هـ / 1543م . وعن هذه الترجمة اللاتينية قام أريفابيني الإيطالي بترجمتها إلى الإيطالية سنة 953هـ/1547م . وعن هذه الترجمة الإيطالية قام سالمون اشفجر بترجمتها إلى الألمانية سنة 1025هـ/1616م وعن هذه الترجمة الألمانية تُرجمت إلى الهولندية سنة 1051هـ / 1641م .
ومن هنا يتبين لنا الأثر السيء الذي تركته هذه الترجمة على صورة الإسلام في الغرب إذ قامت عليها الكثير من دراسات المستشرقين عن الإسلام .

2- رسالة النصراني الشرقي : وهي الأخيرة في المجموعة الطليطلية ، وتُعرف باسم :
الرسالة الإسلامية والجواب المسيحي . وهي التي أحدثت المشروع الكلوني برمته . وهي عبارة عن رسالة وجواب على الرسالة . الرسالة مرسلة من رجل مسلم يُدعى عبدالله بن إسماعيل الهاشمي إلى صديق له نصراني يدعى عبد المسيح بن إسحاق الكندي ، وقد صيغت رسالة الهاشمي المزعومة بحيث يبدو قريباً للخليفة المأمون ، بينما صيغ الجواب وكأن الكندي المزعوم يعمل في بلاط الخليفة نفسه . ومن الواضح أن كلا الأسمين مستعاران وأن كاتب النصين عالم عربي نصراني عاش في العراق في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، والراجح أنه الطبيب والفيلسوف النصراني يحيى بن عدي المتوفي سنة 364هـ / 975م .
ولا نجد لهذه المصنفة ذكراً في المصادر الإسلامية إلا عند البيروني المتوفي سنة 440هـ / 1048م الذي اقتبس منها نصاً في حديثه عن الصابئة .
وقد كلّف بطرس المكرم اثنين من المترجمين بترجمة هذا النص هما بطرس الطليطلي ، وبطرس أوف بواتييه . وقد صاغ يحيى بن عدي رسالة الهاشمي المزعوم في نحو عشرين صفحة ، بحيث بدأ بالسلام والرحمة على صديقه النصراني ، زاعماً أن ذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام; في مخاطبته للناس بما فيهم النصارى ثم يبدي الهاشمي المزعوم تعبيرات مختلفة من الاحترام لصديقه والإشارة إلى النسب الأصيل للكندي ، والإشاده بتقواه وثقافته ومعرفته ، ويدعوه إلى اعتناق الإسلام الذي هو دين الحنيفية ، دين أبيهما الأول ابراهيم عليه السلام ، وهو التوحيد الخالص لله تعالى ، ثم يعرض أركان الإسلام الخمسة ، والجهاد ، ويسهب في ذكر نعيم الجنة لاغراء صديقه النصراني باعتناق الإسلام .
وأنه إذا اعتنق الإسلام يمكنه الزواج بأربع زوجات ويطلق متى يشاء ويملك من الجواري ما يشاء ، ويحصل على ترقية في بلاط الخليفة وفي النهاية يعرض على صديقه أن يجيبه بكل صراحة على عرضه وأن يقول ما يحلو له في الدفاع عن دينه . ويحثه على التخلي عن عبادة الثالوث .
وقد أجاب يحى بن عدي على رسالته التي جعلها على لسان الهاشمي ، بجوابه الذي جعله على لسان الكندي في 140 صفحة ، أي أكبر بسبع مرات من رسالة الهاشمي ، بحيث يترك جوابه الانطباع لدى القارئ النصراني أنه نال الغلبة والقهر بالحجة والبرهان . ومن الواضح أن يحيى بن عدي كتب هذا الكتاب حين ازداد دخول النصارى في الإسلام في القرن الرابع الهجري ، وكان هدفه منه تحصين أهل الذمة من النصارى لمنعهم من اعتناق الإسلام وإقناعهم بان دينهم هو الدين الصحيح .
ويبدأ يحيى بن عدي جوابه على لسان الكندي المزعوم بالعرفان بالجميل لصديقه الهاشمي والدعاء للخليفة المأمون . ثم يدافع عن عقيدة الثالوث ، ويزعم أن عقيدة الحنيفية التي يدعو إليها الهاشمي التي كان عليها إبراهيم عليه السلام إنما هي عبادة الأصنام ، حيث يزعم أن إبراهيم ظل يعبدها لمدة سبعين سنة في حرّان مع آبائه .

ويحاول بأسلوب فلسفي تفنيد عقيدة التوحيد ، ثم يوجه هجومه على النبي عليه الصلاة والسلام، ويتهمه بأنه تطلّع إلى المُلك ، ولما كان يعرف أن نفوس قريش تأبى أن يصبح ملكاً عليها ادّعى النبوة للوصول إلى هدفه . ولا يتحدث جواب الكندي المزعوم عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام; في مكة ، وإنما ينتقل فجأة إلى المدينة حيث يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام; اغتصب مربد غلاميين يتيمين وبنى عليه مسجده ، وأنه اصطحب قوماً فراغاً لاعمل لهم وبدأ في شن الغارات وممارسة النهب والسلب وقطع الطريق وإخافة السبيل ، ويتهم النبي عليه الصلاة والسلام; أنه أمر باغتيال بعض الأمنين في بيوتهم ، ثم يشير إلى جروح النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد ، ويرى أنه لو كان رسولاً لمنعه الله من الضرر ، ثم يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له هم إلا امرأة جميلة يتزوجها ، ويتهمه بالاستخفاف بالله في محاباة زوجاته ويكرر حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها .
وبعد ذلك يثير جواب الكندي المزعوم موضوع النبوة وعلاماتها ويزعم أن شروط النبوة لا تتوافر في محمد عليه الصلاة والسلام. ويزعم أن أهم علامات النبوة هي المعجزات ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت بشيء منها ، وأنه أنكر أنه يستطيع أن يأت بآية كما جاء في القرآن ، وأنه لا دليل لدى محمد عليه الصلاة والسلام على رسالة الهية .
ويزعم أن الإسلام انتشر بحد السيف ، وأن نجاح الفتوح الإسلامية ليس دليلاً على إعجاز إلهي ، لأنها يمكن أن تكون وسيلة من الله لمعاقبة الناس المذنبين ، ويزعم أن النصرانية انتشرت بالتبشير واستشهاد الحواريين بينما الإسلام انتشر بالقهر والسيف ، ويزعم أن لغة القرآن ليست معجزة ، ويعتبر لغة الشاعر امرئ القيس أقوى من لغة القرآن . ويزعم جواب الكندي أن الأغراء المادي والوعد بالملذات الحسية في جنة شهوانية هو الذي أغرى العرب المحرومين أن ينضموا إلى الإسلام وجيوشه ، وأن جيوش المسلمين كانت مليئة بالمنافقين الذين انضموا إليها طلباً للغنائم .
ثم يهاجم شعائر الإسلام ، ويعتبر الحج عملاً من أعمال الوثنية ، ويرى أن الجهاد في سبيل الله إنما هو عمل الشيطان . ويزعم أن محمدا ًعليه الصلاة والسلام لم يكن يهدف مثلما هدف المسيح عليه السلام إلى أن يخلّص ويهذب الإنسان ، وإنما هدف إلى ما هدف إليه الفاتحون الآخرون وهو أن يوسع مملكته . ويزعم أن النصرانية هي الصراط المستقيم المذكور في سورة الفاتحة . ويزعم أن الشرائع ثلاث : شريعة الكمال الإلهي وهي التي جاء بها المسيح عليه السلام ، وشريعة العدل وهي التي جاء بها موسى عليه السلام ، وشريعة الشيطان وهي التي جاء بها ـ بزعمه الكاذب ـ
محمدعليه الصلاة والسلام .
ويزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتلقى من راهب طُرد من الكنيسة وذهب إلى إلى تهامة واسمه سرجيوس ، وتسمى عند محمدعليه الصلاة والسلام بإسم نسطوريوس وأنه هو الذي كان يسميه النبي عليه الصلاة والسلام جبريل أو الروح القدس .
وقال هذا النصراني في جوابه عن النبي عليه الصلاة والسلام ما نصه : ( فإنا لم نره دعا الناس إلا بالسيف وبالسلب والسبي والإخراج من الديار ولم نسمع برجل غيره جاء فقال من لم يقر بنبوتي وإني رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان ) وزعم ـ زوراً وبهتاناً ـ أن النبي عليه الصلاة والسلام أجبر الناس على قبول القرآن : ( وقال من لا يقبل كتابي هذا ويقول إنه مُنزَّل من عند الله وأني نبي مرسل قتلته وسلبته ماله وسبيت ذريته واستبحت حريمه ) .
وزعم النصراني أن عبد الله بن سلاّم وكعب الأحبار عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من القرآن بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وأدخلا فيه أخبار التوراة وأحكامها وزادا وأنقصَّا منه وسخر من عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه ، وزعم أنه وقع فيه التحريف والتبديل ، وأن الحجاج بن يوسف الثقفي جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة عن بني أمية ، وذكر كلاماً كثيراً ملفقاً في هذا الموضوع وختم جوابه بدعوة الهاشمي المزعوم لاعتناق النصرانية . هذه الترجمة الرئيسة في المشروع الكلوني نالت في الغرب شعبية هائلة وأصبحت
بمثابة انجيل المنصرين والمستشرقين منذ ترجمتها وإلى اليوم حيث اعتبروها أفضل دفاع عن النصرانية وأقوى هجوم على الإسلام .

وهناك ثلاث مصنفات أخرى تُرجمت في المشروع الكلوني هي ( نشؤ محمد ) و ( عقيدة محمد ) و ( الأحاديث الإسلامية ) ولكن لم يكن لها تأثير يضاهي تأثير رسالة الكندي المزعوم ، والترجمة الخاطئة والمغرضة لمعاني القرآن الكريم من جانب روبرت أوف كيتون .
وبعد أن انتهى بطرس المكرم من ترجمة مشروعه الآنف الذكر قام بتأليف ردين على الإسلام هما :
(1) المجمل الكامل عن الهرطقة الإسلامية وقسمه إلى ستة فصول هي :
أ- الرب ، المسيح ، ويوم الحساب .
ب- النبي محمد عليه الصلاة والسلام .
ج- القرآن ومصادره .
د- الجنة والنار ، والتعاليم الأخلاقية .
هـ – انتشار الإسلام .
و – الإسلام بوصفه هرطقة مسيحية .
(2) الدحض وقسمه إلى كتابين كل كتاب مكون من فصلين وكلاهما كتبه باللاتينية .

وكان هدف بطرس المكرم من تأليف رديه أن يغرس في قلوب النصارى موقفاً معادياً للإسلام ينبغي على كل نصراني أن يتخذه ويعتقده تجاه العقيدة الإسلامية .وسوف أعرض هنا مقتطفات مختصرة من مجمل بطرس المكرم للتدليل على هدفه هذا . بعد أن عرض بتهكم مشاهد يوم القيامة التي انفرد بها القرآن ولا توجد عندهم في كتبهم المقدسة قال :” إلى هذا الحد الفعلي Mahumet ( محمد ) القذر الشرير علّم أتباعه إنكار جميع أسرار الدين المسيحي ، وحكم تقريباً على ثلث الجنس البشري بعدم معرفة يوم الدينونة للرب ، بواسطة حكايات مجنونه يهذي بما لم يُسمع بمثلها استجابة لأبليس والهلاك السرمدي “. ثم يقدِّم في مجمله مختصراً مشوهاً لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يقول :” هكذا كان Mahumet ( محمد ) ناشطاً جداً في الشؤون العالمية ، وذكي إلى أبعد حد ، هو انبثق من الأصل الوضيع والفقر إلى الغنى والشهرة ، ونهض بنفسه إلى أعلى شيئاً فشيئاً ، وتكراراً هاجم كل أولئك الذين كانوا بجواره ،وكان بشكل بارز يضم إليه الأقرباء بالخداع ، والسلب ، والغزوات ، قاتلاً أي شخص غيلة إن استطاع ، هو ازداد رعباً بواسطة أسمه ، وفي الوقت المناسب وصل إلى القمة بالنزاعات . ثم بدأ يطمح إلى منصب الملك على شعبه ، ولما كان يدرك أنه لا يستطيع أن يحقق هذه الرغبة بسبب أصله الوضيع . قرَّر أن يصبح ملكاً عن طريق السيف ، وتحت قناع الدين وبواسطة الإسم [ لرسول الله ] “. ثم يتناول في مجمله القرآن ويرفض بشدة نبوة محمدعليه الصلاة والسلام ويزعم أن القرآن له مصادر هي : أبليس ، وسرجيوس ( نسطوريوس ) وبحيرا … الخ ) إلى أن يقول ما نصه :” هكذا عُلِّم محمد من جانب أحسن علماء اللاهوت البارزين ، والمتهرطقين ، فانتجوا قرآنه ، ونسجوا معاً ، في ذلك الشكل غير الفصيح ، له كتاباً مقدساً شيطانياً ، صُنِّف على حد سواء من الخرافات اليهودية والأغاني العابثة للهراطقة ، كاذباً أن هذه المجموعة جُلبت إليه سورة وراء سورة بواسطة جبريل ، الذي اسمه هو عرفه من الكتاب المقدس في ذلك الوقت ، هو أفسد بسم مهلك ذلك الشعب الذي لم يعرف الرب ، وفي سلوك هذا المفُسد أن جعل في حواف القدح المملوء بالعسل السم المهلك الذي يتسرب معه ، هو ( محمد ) حطَّم ، واحسرتاه ، الأرواح والأجساد لذلك الشعب
البائس ، ذلك الرجل ، أثنى على الشريعة المسيحية واليهودية ، والشرير مع ذلك يقتبس منها ويرفضها في الوقت نفسه ” .
وبعد ذلك يتناول بطرس المكرَّم ، الجنة والنار ، والتعاليم الأخلاقية ويهاجم التصوير القراني للجنة والنار فيقول :” محمد يصف عذاب جهنم كأنها تسرهُ حتى يصفها ، وكأنه كان ملائماً لرسول زائف كبير أن يخترع تلك الأوصاف . وهو يصور جنة ليست من مجتمع ملائكي ، ولا من تجلى الرب ، ولا من ذلك الخير الأعلى ، الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر … بل في هذه الطريقة هو وصفها مثلما هو رغبها أن تكون معدَّة لنفسه ، هو يعد أتباعه هناك بالأكل من اللحم ، وكل أنواع الثمرات ، هناك أنهار من اللبن والعسل والمياه المتدفقة . هناك العناق والإشباع الشهواني من النساء العذارى الأجمل ، فيها أشياء كثيرة ، جنته كلها حسية “. ثم يتناول بطرس المكرم تعدد الزوجات في الإسلام باعتباره عملاً من أعمال الزنى وفق المنظور الرهباني دون أن يعلم أن المجتمع الغربي من بعده ، في العصور الحديثه ، سيصل إلى ممارسة الزنى علناً في الشوارع وعلى الأرصفه بسبب تلك الرهبانية المصادمة للفطرة البشرية التي فرضها رجال الدين على المجتمع الغربي طوال العصور الوسطى .
ثم يعود بطرس المبجل للهجوم البذئ على النبي عليه الصلاة والسلام فيقول :” وبالإضافة إلى كل هذه الأشياء ، هو استطاع أن يجتذب إليه الرغبات الشهوانية للرجال ، حيث أطلق لهم الأعنه للنهم والتلوث هو نفسه كان له في ذات الوقت ستة عشر زوجة … مقترفاً الزنى كأنه شرط بواسطة الأمر الإلهي ، وبذلك أضاف إلى نفسه عدداً ضخماً من الناس المحكوم عليهم بالهلاك السرمدي “.
وبالمقارنة اتضح أن مجمل بطرس المكرم ودحضه قد اعتمد فيهما على رسالة الكندي المزعوم حيث نسج على منوالها . وأصبح هذان الردان ضمن المشروع الكلوني الذي غدا في متناول الرهبان المتعصبين للاعتماد عليه في كتاباتهم العدائية ضد الإسلام ونبيه محمدعليه الصلاة والسلام .
فهذا وليم الصوري أسقف صور الذي عاصر الحروب الصليبية حتى عصر صلاح الدين الأيوبي وأرّخ للمملكة الصليبية في بلاد الشام وعلاقتها بالمسلمين بدأ حديثه في تاريخه عن النبي عليه الصلاة والسلام فقال ما نصه :” في زمن الامبراطور هرقل ، وطبقاً للروايات والتواريخ الشرقية حققت معتقدات محمد الضارة ـ بزعمه الباطل ـ موطئ قدم راسخ لها في الشرق ، وهذا هو أول أبناء الشيطان المعُلِن بالكذب أنه رسول مرسل من الله ، وبذلك أضل بلدان الشرق خصوصاً بلاد العرب . والبذرة السَّامة التي زرعها اخترقت إلى حد بعيد المناطق التي استخدم فيها خلفاؤه السيف والعنف بدلاً من التبشير والنصح ، لاجبار الناس ، مهما كانوا خاضعين ، ليعتنقوا المعتقدات الخاطئة للرسول “.

أما جاكيوس دي فتري اسقف عكا الذي شارك في الحملة الصليبية الخامسة 614-618هـ / 1217-1221م فقال ما نصه :” إن محمداً أخذ جيرانه الذين كان يحسدهم في الخفاء ، وذبحهم بغدر “.

أما سان بدرو باسكوال وهو راهب أسباني عاش في القرن السابع الهجري /13م والمتوفى سنة 700هـ/1300م فقد كتب عدة كتب ضد المسلين ومنها كتاب أطلق عليه الفرقة المحمدية فقال فيه مانصه :” ما الذي جاء به محمد غير الفسوق والسلب ، القرآن على حد سواء وبتناقض أمر بالسبب والحرب ، والحديث أكدّ هذا ، حيث وُعِدَ المسلمون بمكافأة ضخمة من أجل الموت في الحرب ، وأن جروحهم سوف تكون جميلة يوم البعث ، ذلك أن محمداً أمر بأن الناس من غير المسلمين يجب أن يُقتلوا بواسطة الجهاد ، وتُغتصب نساؤهم ويؤخذن سبايا مع الأطفال ، وخيراتهم تُنهب وبلادهم تُحتل “. وقد زعم سان بدرو باسكوال هذا أن محمداًعليه الصلاة والسلام ، أثنى ذات مرة على آلهة الوثنيين في آيات زعم أن المسلمين يسمونها الآيات الشيطانية . ومن عجب أن قول سان بدرو باسكوال هذا ، كان هو الذي أوحي للمرتد البريطاني سلمان رشدي بعنوان روايته [ الآيات الشيطانية ] ، كما أن باسكوال وفندينزو وريكولدو وغيرهم من كتّاب العصور الوسطى كانوا المصدر الرئيس لرواية سلمان رشدي ، بل هي مسروقة بالكامل من تلك الكتابات الوسيطة .

لقد اخترع سان بدور باسكوال قصصاً وأساطير عجيبة تناول فيها جوانب من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ونزول الوحي عليه وموقف خديجة رضي الله عنها فمثلاً غزوة بدر يقدمها بهذا الشكل الملفق :” اصطحب محمد عصابة من اللصوص ، وبعد ذلك سمع أن تجاراً كثيرين من مكة كانوا يقتربون من تلك المدينة من مناطق أخرى في طابور عظيم من البهائم المحملة بالأثقال ، هو أختبأ في مكمن مع أصحابه وقتل سبعين من التجار وسائقي البغال من أهل مكة ، وأخذ أكثر من سبعين أسيراً ، ونهبوا القافلة بالكامل “.
وعن قصة نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام يورد رواية مشوهة ويزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام تلبسَّه الشيطان ، ويسب خديجة رضي الله عنها التي صدقته ويقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام ما نصه :” في الواقع أنا أقول لك يا محمد إن هذا الذي فعلته ليس نبوة ، بل إنك قلت أشياء معينة مثلما تعوَّد العّرافون اليوم أن يقولونها عن طريق استحضار العفاريت بأي أسلوب ، فهذا لن يكون مدهشاً لأنه سيوجد عرَّافون كثيرون في العالم يقولون حقائق قليلة وكذب كثير ” وكتابات سان بدرو باسكوال عن الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام تتصف بالاختلاق والسفه فمثلاً عند حديثه عن وفاة النبي عليه الصلاة والسلام قال ما نصه :” إن محمداً عندما أوشك أن يموت حاول أن يعمِّد نفسه ـ أي يتنصَّر ـ لكن الشياطين منعته “.

أما الراهب الإيطالي فيدينزو أوف بافيا الذي جاء إلى بلاد الشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري / النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي فقد كتب وصفاً مختصراً مختلقاً لتشويه صورة النبي عليه الصلاة والسلام عند القراء الغربيين ومما قاله :” إن محمداً جمع حوله عبيداً آبقين ، ورجالاً مؤذين مرتشين ومضطهدين للاخرين ، من أصناف مختلفة ، وعندما أطاعوه وأصبح أميرهم ، أرسلهم إلى غابة ذات طرق فرعية وإلى قمم الجبال ، وأخذوا يغيرون على الطرق التي يتردد عليها المسافرون ، فيسلبون الناس ، وينهبون بضائعهم ويقتلون كل من يُبدي مقاومة . وحل
الخوف من محمد وأصحابه بجميع الناس الذين يقطنون بتلك البلاد “. وهذا الراهب فيدينزو أحد الكتّاب الغربيين الذين تلقّفوا القصة المختلقة على النبي عليه الصلاة والسلام وزينب بنت جحش رضي الله عنها ، التي اخترعها يوحنا الدمشقي وصاغوها بشكل داعر ، ومما قاله فيدينزوما نصه :” كان هناك رجل معروف يُدعى سايدوس ـ زيد ـ وكان له زوجة تُدعى سيبيب ـ زينب ـ كانت من أجمل النساء الجميلات اللائي عشن على الأرض في أيامها ، فسمع محمد بشهرة جمالها ، واشتعل بالرغبة فيها ، وأراد أن يراها ، فجاء إلى منزل المرأة في غياب زوجها ، وسأل عن زوجها . هي قالت : يارسول الله ، ما ذا تريد ، لماذا أنت هنا ؟ زوجي ذهب إلى الخارج في العمل . هذا لم يكن مخفياً عن زوجها ، هو عندما عاد إلى بيته ، قال لزوجته : هل كان رسول الله هنا ؟ هي أجابت : هو كان هنا ، هو قال هل رأى وجهك ؟ هي أجابت : نعم هو رآه ، وهو أيضاً سهّرني وقتاً طويلاً ، هو قال لها : أنا لا أستطيع أن أعيش معك وقتاً أطول من هذا … “.

ومن الرهبان المنصرين الذين كتبوا عن الإسلام ، ريكولدو أوف مونت كروس المتوفي سنة 720هـ / 1320 م وقد جاء إلى عكا سنة 688 هـ / 1289م وانتقل منها إلى آسيا الصغرى ومنها إلى الشرق حيث وصل إلى مراغة في رحلة تنصيرية ثم جاء إلى الموصل وإلى بغداد . ثم عاد إلى دير مونت كروس وصنّف عدة كتب يهاجم فيها الإسلام منها كتاب سماه [ دحض القرآن ] ومما قاله :” إن الإسلام مجرد خدعة شيطانية ابتدعها الشيطان كي يمهد الطريق لمجئ المسيح الدجّال ، وذلك حين شعر الشيطان بعدم قدرته على إيقاف انتشار النصرانية ، وأن الوثنيات بدأت تتهاوى أمام النصرانية ، وأنه ليس في مقدوره دحض شريعة موسى وانجيل عيسى ، فابتدع الشيطان ذلك الدين ليكون وسطاً بين النصرانية واليهودية … والقرآن ليس قانون الله ، نظراً لأن أسلوبه لا يطابق الأسلوب الإلهي ، الذي لا يوجد فيه سجع ولا عبارات موزونة كتلك التي جاءت في الكتب المقدسة “.
والحق أن القرنين السابع والثامن الهجريين / الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين ، قد شهدا حملة فكرية عدوانية شرسة ضد الإسلام ونبي الإسلام محمدعليه الصلاة والسلام من جانب مئات الكتّاب الغربيين من الرهبان والمنصرين والحجاج الذين زاروا الديار المقدسة في بلاد الشام ، وهي حملة عدائية تضاهي في ضخامتها العدوان الفكري الحالي الذي نشهده في وسائل الإعلام الغربية . ويتضح أحد أهداف تلك الحملة السابقة مما كتبه أحد أعضائها وهو روبرت هالكوت الذي كتب سنة 741هـ / 1340 م يقول :” إنه لن يكون سهلاً أن ننشر تعاليم المسيح بين المسلمين إلا عن
طريق تحطيم وشجب شريعة محمد “.

ويتضح توطُّد وترسُّخ تلك العقيدة الغربية الباطلة تجاه الإسلام والمسلمين في الغرب ، وأنه لم يعد بمقدور أحد هناك اعتقاد سواها ما حدث سنة 762هـ / 1361 م عند ما كتب راهب بندكتي يعمل في جامعة أكسفورد ، اسمه أوثرد أوف بولدون ، مُقترحاً قال فيه :” إنه عند لحظة الموت لكل إنسان سواء كان نصرانياً ، أو مسلماً ، أو من أي دين ، فإنه ينعم بالرؤية المباشرة للرب ، ويتلقى حكمه الأبدي في ضوء استجابته لهذه التجربة “.
فقامت ضد الراهب أوثرد احتجاجات عنيفة من زملائه الرهبان مفادها : كيف يمكن لمسلمِ أن ينجومن الهلاك والعذاب السرمدي ؟؟؟ فاضطر الراهب أوثرد إلى سحب اقتراحه !!!وفي ضوء هذا العرض المختصر للعقيدة الغربية المركوزة في الفكر الغربي تجاه الإسلام ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام يمكن أن نخرج بالملاحظات والحقائق التالية .

أولاً : لانجد نظيراً لهذه العقيدة تجاه نبي من الأنبياء وأمة من الأمم إلا في عقيدة التلمود عند اليهود تجاه المسيح عليه السلام ووالدته الطاهرة مريم عليها السلام وتجاه المسيحيين . فالتلمود الذي يقدسه اليهود إلى أقصى حد ” يرى بأن المسيح عيسى بن مريم موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقطران والنار ، وأن أمه مريم أتت به من العسكري الروماني [ باندارا ] بمباشرة الزنا . ويرى التلمود أن المسيح ارتد عن اليهودية وعبد الأوثان ، وأن أتباعه النصارى وثنيون . ويذهب التلمود إلى أن المسيح كان ساحراً وثنياً ومن يتبعه من الأمم إنما هم وثنيون مثله ، وان المسيح كان مجنوناً وكافراً لا يعرف الله وان الطقوس الدينية عند النصارى إنما هي نوع من عبادة الأصنام . ويقرِّر التلمود أن الأناجيل ـ كتب النصارى المقدسة ـ إنما هي كتب الظلم والخطايا وأنه يجب على اليهود إحراقها ولو كان فيها اسم الله . وأن الكنائس النصرانية بمثابة قاذورات ، وأن الواعظين فيها
أشبه بالكلاب النابحة ، وأن قتل النصارى من الأفعال التي يكافئ الله عليها ، وإذا لم يتمكن اليهودي من قتل النصارى ، فالواجب عليه أن يلعن النصارى ثلاث مرات في اليوم ، ويطلب من الله أن يبيدهم ويفنى ملوكهم وحكامهم وعلى اليهود أن يعاملوا النصارى كحيوانات دنيئة غير عاقلة …. ” (1).

ثانياً : إذ تأملنا أسباب نشأة هذه العقيدة الغربية الضالة تجاه الإسلام ونبيه محمدعليه الصلاة والسلام يمكن أن نستخلص بعض الأسباب الرئيسة وأهمها وهي :

‌أ- إن اعتراف النصارى بنبوة محمدعليه الصلاة والسلام وصحة القرآن وأنه الكتاب الحق المنزَّل من الله ينسف العقيدة النصرانية بكاملها من الأساس وهي التي تقوم على أساس أن المسيح هو الرّب وأنه ظل يرسل الرسل والأنبياء للدعوة إليه ، وأخيراً تجسَّد الرب بنفسه ليبلِّغ البشر برسالته الأخيرة ، وأنه قُتل وصلب ليكفرِّ عن خطايا البشر ويخلصهم الخلاص النهائي .

‌ب- اعتقادهم بأن النصرانية هي الحق والهدى وأن ما سواها هو الكفر والضلال ، وأن لا خلاص للبشر إلا باعتناق النصرانية، ومن هنا رفضوا الإسلام ، وحاولوا بكل ما يستطيعون إثبات أن الإسلام دين مختلق وليس وحياً من الله تعالى . ولإثبات هذا الزعم الباطل عمدوا إلى سيرة النبي محمدعليه الصلاة والسلام ـ المرسل بهذا الدين ـ وشوهوها واخترعوا له قصصاً وأساطير من خيالاتهم تُظهره في صورة سيئة تُقنع من يقرأها من عامة النصارى أنه لم يكن مرسلاً من الله وأن تلك السيرة السيئة لا تليق برسول ، هذا فضلاً عن تعمُّد الكتاب النصارى طمس كل معالم سيرته الصحيحة وشمائله وأخلاقه وفضائله وهديه وعدم ذكر أي شيء منها، حتى لا ينجذب إليها القارئ النصراني وتجعله يفتتن بها ومن ثم يعتنق الإسلام .

‌ج- افتراضهم المسبق أن الإسلام هرطقة ومن ثمة البحث في المصادر النصرانية والأحاديث والسِّير الموضوعة ما يثبت ويبرهن على هذا الافتراض الزائف .

‌د- اعتقاد الرهبان ورجال الدين في العصور الوسطى أن الإسلام شكَّل خطراً داهماً على أوربا وأن عقيدته تهدد النصرانية في عقر دارها وأن جماهير النصارى قد تُقبل على اعتناقه مثلما حدث في سائر البلدان التي فتحها المسلمون لاسيما الأندلس ، ولذلك عمدوا إلى رسم صورة مشوهة ملفقة عن الإسلام كنوع من التحصين للمجتمع الغربي النصراني والحيلولة بين عامة النصارى وبين اعتناق الإسلام .

ثالثاً : إن هذه العقيدة الضالة التي اكتمل بناؤها وصياغتها خلال العصور الوسطى عبرت كاملة متماسكة إلى العصور الحديثة وتبناها الكثير من الكتَّاب والرهبان والمنصرين والمستشرقين المتعصبين في العصور الحديثة لا يتسع المجال هنا لذكرهم ويكفي ما أوردناه في بداية الحديث عما تقوله وتنشره وسائل الإعلام الغربية في هذه الأيام .

رابعاً : إن هذه اللمحة الموجزة عن هذه العقيدة الغربية تجاه الإسلام ونبيه محمدعليه الصلاة والسلام والمقتطفات التي أوردناها لا تصل في حقيقتها إلى نسبة واحد في الألف مما كتبه الغربيون عن الإسلام عبر العصور من كتابات معادية ظالمة . فإذا أضفنا إلى هذا العدوان الفكري ، العدوان العسكري الشامل والمستمر ضد المسلمين على مدى أكثر من ألف سنة بدءاً من حروب الاسترداد الأسبانية والحروب الصليبية عبر قرون كثيرة ، والتنصير القسري ضد مسلمي الأندلس بعد احتلالها ، وضد مسلمي صقلية وجنوب إيطاليا وكريت وجزر البليار ، وقتل الملايين من المسلمين الذين
رفضوا التنصُّر ، وطرد الملايين الأخرى من الأندلس . ثم حركة الاستعمار الغربي ضد العالم الإسلامي بأكمله منذ الكشوف الجغرافية وحتى القرن العشرين ، وما قُتل من ملايين المسلمين في تلك الحروب العدوانية المتمادية التي لا تكاد تنتهي. ثم ظلم الغرب الأخير للمسلمين بزرع دولة اليهود في قلب بلادهم ، وتشريد شعب فلسطين من أرضه ووطنه . ونهب الغرب لثروات ومقدرات المسلمين عبر العصور وتقسيمهم إلى دول كثيرة ، وأخيراً العدوان الشامل الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد العالم الإسلامي.

إذا نظرنا إلى هذا كله فإننا نخرج بحقيقة كبرى مفادها :

إنه لا يوجد في التاريخ البشري بأكمله ولا في تاريخ الحيوانات والوحوش ولا في تاريخ الحشرات والزواحف أمةً ظلمت أمة وبغت عليها وآذتها مثل ظُلم الغرب وبغيه وعدوانه على أمة الإسلام .ولهذا كله يجب على كل مسلم أن يعي طبيعة هذا العدوان وهدفه وأن يعمل على مقاومته وإفشاله بكل ما يستطيع .

وصفوة القول : إن هذا العدوان الفكري الإعلامي على الإسلام ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام من جانب رجال الدين الإنجيليين ووسائل الإعلام الغربية – الذي يُعبِّر عن عقيدة موروثة – ليس إلا وسيلة ضمن وسائل كثيرة يشملها هذا العدوان الشامل على الإسلام والمسلمين والذي يهدف إلى هدف استراتيجي رئيس ، رغم كل الأقنعة الزائفة التي يستتر بها ، وهو : مسخ هوية الأمة الإسلامية وتحويلها عن دينها وتدمير عقيدتها ، وتمزيقها إلى دويلات وطوائف متناحرة لا تدين بالولاء إلا لأمريكا واسرائيل ، ونهب ثرواتها ومقدراتها ،وتحويلها إلى مجرد مجتمعات استهلاكية لمنتجات أمريكا واسرائيل وتحويل كل فرد مسلم إلى مجرد كائن بهيمي لا حافز له ولا هم إلا السعي اللاهث وراء لقمة العيش وإشباع غرائزه الفطرية .

 

انتهى….

شاركـنـا !

أترك تعليق
صوت التطور لخدمات الويب
%d مدونون معجبون بهذه: